يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
511
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
إلى دار سبعة من الدور ، ثم رجع آخر ذلك إلى الذي أهداه أوّل مرة . ومثل هذا اعترى لبضعة وثلاثين رجلا قسموا أرغفة معدودة وأطفؤوا السراج وأظهروا الأكل ثم رفعت الكسر فإذا هي كما كانت ما أكل منها أحد شيئا إيثارا لصاحبه . ولا تستغربن هذا فقد حدثت عن شيخي الفقيه أبو محمد عبد الحق رحمه اللّه ؛ وكان دون أهل ؛ أنه اشترى أضحية لنفسه ، فجاء بعض الفقراء وكان ذا عيال فشكا حاله إليه ، فدفع إليه الأضحية فحملها إلى منزله وذلك قبل العيد بأيام ، ثم جاءه ذلك الفقير وكان يدل عليه فقال له : يا فقيه إني أبيع أضحيتك ، قال له : ولم ؟ قال : المرأة أدخلت عليّ هذا الرأي فقالت : يا رجل أطفالنا عراة وأرى أن تبيع تلك الأضحية وتكسو بثمنها هؤلاء الأطفال فلا بدّ في العيد أن نعطى لحما أو نستغني عنه فكسوة الأولاد أوكد وأبقى . فقال أبو محمد رحمه اللّه : فأنا أحق بأضحيتي من غيري اشتريتها بكذا وكذا فخذ ثمنها ، فدفعه إليه ، ثم قال له : منزلي ضيق فامسكها عندك إلى يوم العيد آخذها منك إن شاء اللّه ، فلما كان يوم العيد قال لذلك الفقير : اذبحها وارسل إليّ منها اليد يكفي ، وأطعم سائرها عيالك ، ففعل رحمه اللّه . فهذا معنى الحكاية والحمد للّه . وله فضائل كثيرة ؛ حدثني عنه بعض الطلبة أنه احتاج يوما إلى دراهم يشتري بها كتابا فقيل له : قد توفر من الدراهم التي تعطى للمسجد باسم الزيت كذا وكذا فخذها . فقال : هذا بقي علينا ! ليس بيننا وبين ربنا غير هذه الركعات التي نصلي فنأخذ عليها أجرا . وكان هو الإمام في المسجد رحمه اللّه ، وقد لقيته أنا واستحيت أن أسأله عن مثل هذا فأخذته عمن حدثني بذلك عنه ممن أثق به . ومن الإيثار ما قاله إبراهيم بن أدهم رضي اللّه عنه حين قدم عليه شقيق من خراسان : كيف تركت الفقراء من أصحابك ؟ . قال : تركتهم إن أعطوا شكروا ، وإن منعوا صبروا . فقال إبراهيم : هكذا كلاب بلخ عندنا . فقال له شقيق : فكيف الفقراء عندكم يا أبا إسحاق ؟ . فقال : الفقراء عندنا إن منعوا صبروا ، وإن أعطوا آثروا . فقبل رأسه وقال : صدقت يا أستاذ . ومن الإيثار ما فعل كعب بن مامة ، وذلك أن سافر في ركب فنفد ماؤهم إلا يسيرا فكانوا يقسمونه بالحصاة يجعلونها في الإناء ويصبون عليها الماء حتى يغمرها ويتداولونه ، وكان إلى جانب كعب رجل من النمر بن قاسط ، فجعل كلما جاءت نوبة كعب نظر إليه النمري ، فكان كعب يقول للساقي : اسق أخاك النمري ، ففعل ذلك مرارا حتى نفد الماء وسقط كعب ميتا ، وكعب ضرب به المثل في الجود ، كما قال الشاعر :